سند للرعاية الوالدية البديلة | بين "حكاية نرجس" وحق الأطفال في الكفالة
EN

بين "حكاية نرجس" وحق الأطفال في الكفالة

مارس ۲۰۲٦

أثار مسلسل "حكاية نرجس" - الذي عُرض في شهر رمضان الماضي والمستوحى من أحداث حقيقية - جدلاً واسعاً ونقاشات مجتمعية عميقة حول منظومة كفالة الأطفال وشروطها. 

ولمن لم يتابع العمل، تدور أحداث المسلسل حول "نرجس"، سيدة عانت من وصمة العقم وقسوة نظرة المجتمع، مما دفعها لمحاولتها هي وزوجها لكفالة طفل لسد هذا الفراغ. ولكن، بعد رفض طلبهم لعدم استيفاء شروط الكفالة، تنحرف بوصلتها وتتخذ مساراً مظلماً؛ حيث تتحول إلى مجرمة تختطف الأطفال لتحقق حلم الأمومة، على حساب أمومة أخريات بحرمانهن من أطفالهن. 

هذا التحول المأساوي فتح الباب أمام تساؤلات ملحة: لماذا لم تُقبل نرجس وزوجها كأسرة كافلة في البداية؟ وهل كان هذا الرفض - مقترناً بقسوة المجتمع - دافعاً كافياً لتحويلها إلى مجرمة تسعى لإشباع غريزتها على حساب ألم طفل وأم أخرى؟. 

وإجابةً على التساؤلات المشروعة التي أثارها المسلسل، وحرصاً من جمعية "سند للرعاية الوالدية البديلة" - بخبرتها التي تتجاوز ١٧ عاماً في المجال وعضويتها في اللجنة العليا للأسر البديلة بوزارة التضامن منذ ٢٠١٦ - وجب توضيح بعض النقاط الهامة بخصوص كفالة الأطفال. خاصة وأن الجمعية شَرُفت بتطوير الدليل الإجرائي لنظام الكفالة في مصر، بالتعاون مع مؤسسة "فيس" بتكليف وتحت إشراف وزارة التضامن والذي اعتمد في عام ٢٠١٩. 

الكفالة هي رَدٌ لحق الطفل، وليست مفتاحاً لتحقيق حلم الأمومة والأبوة، أو مظهر اجتماعي لمن لم يُقدر الله لهم الإنجاب. لذلك، قرار الدولة في اختيار الأسرة الكافلة ليس سهلاً. فتخيل لو أنك مُجبر على أن تستأمن أسرة لا تعرفها ولا تربطك بها أي صلة قرابة لرعاية وتربية أبنائك مدى الحياة، ما هي المعايير التي بناءً عليها ستختار هذه الأسرة؟!. 

تتعدد الدوافع النبيلة التي تشجع الأسر على اتخاذ قرار الكفالة، والتي تتراوح بين السعي لنيل الأجر والثواب العظيم مصداقاً لقول رسول الله ﷺ: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"، أو تلبية الفطرة الإنسانية للأمومة والأبوة لدى الأسر التي لم تُرزق بأبناء، أو حتى رغبة بعض الأسر في اتساع عائلتها. ونحن إذ نُقدر ونُثمن جميع هذه الدوافع، يجب التأكيد على أن الكفالة في جوهرها هي "حق أصيل من حقوق الطفل"؛ حقٌ كفله الشرع والمواثيق الدولية وقانون الطفل المصري لكل طفل تعذرت نشأته في كنف أسرته البيولوجية (لأسباب قانونية، صحية، اجتماعية، أو اقتصادية) أو في أسرته الممتدة (الجد/ة، العم/ة، الخال/ة). لذا، فإن الرؤية الصحيحة للكفالة تنطلق من كونها أمانة تُلبي احتياج الطفل للرعاية والأمان في المقام الأول، ومن ثم تتلاقى مع رغبات الأسرة الكافلة وتُلبي احتياجاتها الإنسانية والدينية في ضوء ما أقره القانون. 

 وهنا تأتي أهمية وضع شروط ومعايير وإجراءات لتلبية هذا الحق لكل طفل حُرم من رعاية والديه البيولوجيين أو أسرته الممتدة؛ لأننا أصبحنا أمام مسؤولية كبيرة جداً في اختيار الأسرة الأكثر ملاءمة وتأهيلاً لكل طفل، والتي توفر فرصة أكبر لاستقرار الطفل واستمراريته معها. 

وقد يتساءل البعض هنا: "ولكن في الحياة الطبيعية نحن لا نختار آباءنا وأمهاتنا وأسرنا؟"، وتكمن الإجابة في السؤال نفسه. فالفطرة الطبيعية هي وجود أب وأم وأسرة تربطهم رابطة الدم والنسب، وتربطهم ٩ أشهر بين الجنين وأمه لتهيئتها لاستقبال هذا الإنسان. وتخضع هذه الفطرة لأحكام إلهية لا يمكننا محاكاتها، وأقدار لا دخل لنا فيها إلا إذا تعرض الطفل لخطر أو أذى، ليأتي هنا دور الدولة في ضمان حق كل طفل في الحماية من أي أذى أو استغلال، وهو ما ينظمه قانون الطفل المصري. 

ولأن نظام الكفالة يقع خارج هذا الإطار الرباني والبيولوجي، ولأن المجتمع أصبح أكثر تعقيداً ومدخلات الحياة أصبحت مركبة ومربكة؛ وجب وضع قواعد وشروط وأحكام وإجراءات لحوكمة منظومة الكفالة، لتصبح الدولة هي المسؤولة عن توفير أسرة مؤهلة ومناسبة للأطفال فاقدي الرعاية الوالدية. أضف إلى ذلك أن هؤلاء الأطفال يمثلون إحدى الفئات الأولى بالرعاية والأكثر هشاشة؛ حيث يسهل استغلالهم وانتهاك حقوقهم لأنه لا حول ولا قوة لهم، وهذه نقطة في غاية الأهمية. 

إن إجراءات كفالة الأطفال تستند إلى تقييم شامل ومتكامل لمدى جاهزية الأسرة الكافلة، وذلك وفق مجموعة من الضوابط والمعايير التي أقرتها الدولة تشمل جوانب أساسية، من بينها: الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، القدرة النفسية والصحية، المستوى التعليمي والثقافي، مدى التماسك الأسري، الفئة العمرية، بالإضافة إلى القدرة على توفير بيئة داعمة تلبي احتياجات الطفل النفسية والتربوية بهدف تحقيق المصلحة الفضلى للطفل وضمان نشأته في بيئة أسرية آمنة ومستقرة. 

وبحسب الأبحاث والدراسات، فإن هذا الطفل المكفول قد تعرض لصدمة في سن مبكرة عندما انفصل عن أمه البيولوجية التي ارتبط بها ٩ أشهر خلال حملها. فهذا الطفل يحتاج إلى الاحتواء عندما يسأل عن والديه البيولوجيين، ويحتاج لأسرة تتفهم أهمية تعزيز هويته ومساعدته على تقبلها، وليس طمسها أو تجاهل احتياجاته. ولأسرة ممتدة تقبله وتحتويه وتلبي احتياجه الإنساني للجد والجدة والأقارب. 

هذا الطفل سيكبر ليصبح مراهقاً وشاباً، وسيحتاج لحب غير مشروط من أسرته الكافلة، وكثيرٍ من الصبر والتفهم العميق، لا القسوة والمعايرة. ففي مرحلة المراهقة، التي تتسم بطبيعتها بالتمرد والتخبط، يقع بعض الآباء للأسف في فخ إرجاع سلوكيات الابن إلى "جيناته" أو أصوله البيولوجية، متناسين أنها مجرد تصرفات طبيعية يمر بها أي مراهق. لذا، هو أحوج ما يكون لمن لا يلومه على هويته، ولا يتخلى عنه بمجرد أنه لم يعد ذلك الطفل الصغير الوديع. 

هذه الضوابط لم توضع بهدف التعقيد أو الحد من فرص الكفالة، بل لضمان حماية حقوق الأطفال، وتعزيز استقرار الأسر الكافلة، بما يسهم في تحقيق التكافل المجتمعي على أسس سليمة ومستدامة، ولمنع تعرض الطفل أو المراهق لصدمة التخلي عنه من قِبل أسرته الكافلة، مما يضاعف حدة وقسوة صدمة الانفصال في حياته. ولنتذكر هنا مسلسل "ولاد الشمس" عندما شهدنا لحظة العتاب واللوم والوجع في حوار "مفتاح" مع أسرته البديلة التي تخلت عنه عندما أنجبت طفلاً من صلبها. (للاطلاع على شروط الكفالة، برجاء زيارة موقع وزارة التضامن الاجتماعي). 

ورجوعا إلى حكاية نرجس؛ هل كانت نرجس - التي وصمها المجتمع وعلى رأسه أمها بسبب حرمانها من الإنجاب - ستُصارح الطفل والمجتمع بأنه ابنها بالكفالة إن قُبل طلبها؟ أم أنها كانت ستطمس هويته وتوهم العالم أنه ابنها البيولوجي (كما فعلت بالفعل)؟ وهل كان هذا المجتمع القاسي، الذي عايرها بِقَدرٍ لا يد لها فيه، سيتقبل طفلاً من كريمي النسب؟ وماذا عن زوجها "عوني"؟ هل كان سيعتبر هذا الطفل حقاً ابنه بالكفالة، أم أن الطفل كان سيظل تذكيراً دائماً له بعقمه (كما أوهمته نرجس)، ليصبح مجرد واجهة اجتماعية لحمايته من ألسنة الناس وكأنه دواء بطعم العلقم؟ والدليل أنه بمجرد انكشاف الحقائق، لم نرَ "عوني" يكترث لمصير الطفل الذي رباه كابنه طيلة ١٠ سنوات. وإذا كان أهل "عوني" قد تعذرت عليهم الثقة في قراراته وأهليته لإدارة أمواله، فكيف للدولة أن تثق به وتستأمنه على روحٍ لا يربطه بها دم ولا نسب؟" 

إن قرار الكفالة أصعب من قرار الإنجاب، فبينما يتطلب أبناؤنا من أرحامنا حباً غير مشروط، فإن أبناءنا بالكفالة ينتظرون منا فوق هذا الحب أضعافاً مضاعفة من الرحمة والاحتواء والعطاء والتضحية. 

تُثمن جمعية "سند" الدور الذي تقوم به مؤسسات الدولة في تطوير وتنظيم ومتابعة منظومة الكفالة، وهو تطويرٌ مِحوريّ؛ فنظام الكفالة في مصر مُشرع منذ عام ١٩٥٩، لكنه كان بحاجة لتحديث يواكب متغيرات الحياة ومتطلباتها. 

وتؤكد الجمعية استمرارها في دعم وتوعية الأسر الراغبة في الكفالة، والعمل على تعزيز الفهم المجتمعي الصحيح لهذه المنظومة. كما تدعو الجمعية جميع المهتمين - وخاصة الإعلاميين - إلى النظرة الشمولية في تناول هذه القضايا من منظور "حق الطفل"، بما يدعم مصلحة الأطفال ويعزز من فرص دمجهم في بيئة أسرية آمنة ومستقرة. 

وأخيراً، نتوجه بخالص الشكر والتقدير للقائمين على العمل الدرامي "حكاية نرجس"، لأنه أتاح الفرصة لتسليط الضوء على نقاط في غاية الأهمية، ليس فقط فيما يخص الكفالة، بل أيضاً في قضية سرقة الأطفال. وهو ما يتطلب استدامة وتطوير آليات لدراسة حالات الأطفال المعثور عليهم أو المُتخلى عنهم، وكيفية إعادة دمجهم في أسرهم البيولوجية، ولا سيما أن الدراسات الدولية تؤكد أن 80% من الأطفال المودعين في دور الرعاية عالمياً لديهم أسر معروفة، وأن الفقر هو الدافع الأساسي لإيداعهم. لذلك؛ نأمل أن نكثف الجهود للحد من انفصال الأطفال عن أسرهم، وإعادة دمج من انفصلوا عنها. 

جميع الحقوق محفوظة لجمعية سند © 2026